تحوّلات المجتمع المصري: قراءة في كتاب ماذا حدث للمصريين؟
كتاب ماذا حدث للمصريين الذي يصف واقعنا حتى اليوم
في مسرحية الصفقة للأديب توفيق الحكيم، يتقاتل مجموعة فلاحين في إحدى القرى مع الإقطاع للحصول على صفقة، وبنهاية الصراع يحصلون على الصفقة التي بها يتملكون الأرض على الورق، قيمهم ومبادئهم تذهب مقابل حصولهم على الأرض بشكل جزئي بالإضافة لبعض المكاسب ذات قيمة قليلة ومدة قصيرة، والسؤال الذي لا يخص هذه القرية وحدها: ماذا لو كانت هناك صفقة أكبر عقدها مجتمع بأكمله؟
كتاب “ماذا حدث للمصريين؟” يناقش مؤلفه التغيرات العميقة التي حدثت للمجتمع المصري في نصف قرن، من عام 1945 إلى عام 1995 من خلال تجاربه الشخصية إذ عاصر أجيال متعددة، ومن خلال دراسته الأكاديمية كأستاذ اقتصاد، هذا الكتاب هو من أهم الكتب التي تتناول التاريخ الاجتماعي المصري، لكن لن نمر على جميع فصوله الثمانية عشر، لكن سنختار بعض الفصول لنمر عليها ونعرف ماذا حدث فعلًا للمصريين؟ أترك لكم باقي الفصول لتستمتعوا بقراءة الكتاب، لكن قبل الانطلاق في رحلة مع الكتاب سنتعرف على المؤلف أولًا.
من هو جلال أمين؟
وُلد الدكتور جلال أمين في عام 1935م، لأسرة عريقة وأب هو الكاتب الصحفي والأديب أحمد أمين، ولم يدخل الأزهر مثل أبيه بل اتجه للمدارس الحكومية، وكان الأول على التوجيهي _الثانوية العامة بمسماها القديم_ في المملكة المصرية عام 1951، ودرس الحقوق بجامعة القاهرة، لكنه سافر إلى لندن لدراسة الاقتصاد وحصل على درجة الدكتوراة في مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية.
مؤلفات جلال أمين
كان الدكتور جلال أمين معتزًا بالهوية الإسلامية والثقافة العربية، وكتب منتقدًا الحملة الشرسة على الإسلام والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر “عصر التشهير بالعرب والمسلمين”، كتب منتقدًا الانبهار بالثقافة الغربية “خرافة التقدم والتخلف: العرب والحضارة الغربية فى مستهل القرن الواحد والعشرين” وكتاب “التنوير الزائف”.
للدكتور جلال أمين مؤلفات عدة، منها ثلاثة في السيرة الذاتية، ومنها في الاقتصاد “فلسفة علم الاقتصاد”، و”قصة الاقتصاد المصري”، وكتب عن ثورة يناير “ماذا حدث للثورة المصرية؟” وكتاب عن حقبة الرئيس الأسبق مبارك “مصر والمصريون في عهد مبارك”، وله كتاب “وصف مصر في نهاية القرن العشرين”، وكتاب “عصر الجماهير الغفيرة”، وهو يعتبر على حسب قول جلال أمين جزء ثان من كتابه الذي بين أيدينا “ماذا حدث للمصريين؟”
في كتابه “ماذا حدث للمصريين” يُشخص في ثمانية عشر فصلًا التغيير الصامت الذي حدث لهوية المصريين وعاداتهم وتقاليدهم في النصف الثاني من القرن الماضي، سنتطرق لثمانية فصول أراها الأهم، حيث الحديث عن الطبقة الوسطى والتعصب الديني والتغريب والوظيفة الحكومية واللغة العربية والهجرة والسيارة الخاصة والانقسام الطبقي.
الطبقة الوسطى
يوضح جلال أمين أن عامل تحديد الطبقات اختلف، حيث كانت الشهادة الجامعية وملكية الأراضي الزراعية والتغرب _محاكاة النمط الغربي_ عوامل تمييز للطبقة الوسطى سابقًا، لكن لم تعد الشهادة الجامعية لأن الحاصلين على الشهادات زادوا بل وفقدت الشهادة الجامعية قيمتها، والتغرب لم يعد سمة للطبقة الوسطى بسبب انتشار التغريب بين الطبقات الأدنى، وأصبح العامل الوحيد الذي يميز الطبقة الوسطى هو حجم الدخل والثروة.
التعصب الديني
يعطي جلال أمين احتمالًا للتعصب الديني، أنه نتج عن عوامل اجتماعية، بسبب شعور السخط على المجتمع والإحباط وعدم الرضا عن النفس الذي نما عند الطبقات الوسطى الدُنيا، فهم رؤوا تزايد الثروات الذي واكب الانفتاح الاقتصادي في السبعينات، لكن في نفس الوقت عجزوا عن اللحاق بركب المستفيدين من الانفتاح، بالإضافة لانحسار الرخاء الاقتصادي والكساد بسبب عودة المهاجرين من بلاد النفط، ومصادر الرضا عند تلك الطبقة مرتبط بالتدين والإيمان.
ويشير جلال أمين لدراسة قام بها سعد الدين إبراهيم أستاذ الاجتماع عن جماعة التكفير والهجرة، واكتشف أن ثلثي أعضاءها من متوسطي الموظفين بالحكومة.
التغريب
يقول جلال أمين أن أسوأ ما حدث في الأربعين عامًا لتالية لثورة يوليو 1952م هي موجات التغريب، حيث كانت قناعة جنرالات يوليو 1952 أن الأزمة في الاستعمار الغربي كاستعمار، وليس كثقافة غربية، وعبد الناصر مهما كانت درجة طموحه لم تصل إلى أن العرب يستطيعون تقديم نموذج منافس للإنسانية، وعلى حد تعبير جلال أمين فيقول: “كان هدفه المساواة مع الغرب وليس التميز عنه”، ويضرب مثالين
أولهما تعامل ثورة يوليو مع الأزهر حيث اعتقدوا أن أقصى تطوير للأزهر هو تحويله إلى جامعة حكومية، بالإضافة لزيادة مقررات اللغة الأجنبية على التعليم الأزهري ما قبل الجامعي.
ثانيهما كان الفلاح المصري عندما يزداد دخله، يطرح جلبابه ويستبدل به الزي الأوروبي، ويبني بيته بالطوب الأحمر، ويقتني المُسجل الغربي، ويشتري الأجهزة المنزلية اليابانية.
الوظيفة الحكومية
يُقارن جلال أمين بين جيله وجيل أبيه، ثم الأجيال المتعاقبة، ويذهب إلى فقدان الوظيفة الحكومية لمكانتها كرمز للأمان الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي حيث مثل “إن فاتك الميري اتمرمغ في ترابه” لكن أصبحت الآن مرتبطة برواتب ضعيفة ومكافآت تزيد بسرعة السلحفاة، أمام تضخم بسرعة الصاروخ، وهذا التحول قلل من الانضباط والإنتاجية، وكان سببًا في انتشار الفساد في المصالح الحكومية والوزارات، بالإضافة لظهور ما تحققه الهجرة من ثراء سريع، وبروز النجاح المادي المقرون بالأنشطة الاقتصادية الحرة.
اللغة العربية
يعدد جلال أمين أسبب تراجع العربية إلى تراجع التعليم والإعلام، حيث ركزت ثورة يوليو ومشروعها في التعليم على محو الأمية فقط، دون إدراك أهمية تطوير جودة التعليم، لكن أنا أزعم أن هذا كان متعمدًا، فهناك أزمة للمستبدين مع التعليم الجيد، وتراجع الصحافة والإعلام كان بسبب تأميم الحياة الثقافية، لم نعد نجد تلك المعارك الأدبية التي كانت في الصحف في النصف الأول من القرن الماضي، وهناك سبب ثالث وهو الذي ذكره في فصل سابق وذكرناه الفقرة قبل الماضية وهو التغرب، حيث رفعت ثورة يوليو من العربية كقومية، وليست كثقافة أو هوية، بالإضافة إلى عدم الرغبة في الاهتمام بها، حيث ضرب جلال أمين مثلًا بخطب السياسيين قبل ثورة يوليو، وخطب السياسيين بعدها يلحظ بعد ذلك دخول العامية في الخطابات، إذ كانت الفصحى شكليات، والمهم هو التغيير الثوري بحسب تعير جلال أمين، ويرد على الاحتجاج بصعود الحركات الإسلامية في السبعينات إذ يعتبرها سباحة ضد التغريب الذي كان قد بدأ التغلغل في المجتمع المصري.
الهجرة
يوضح جلال أمين متحدثًا عن الهجرة أنها لم تكن مجرد انتقال للعمل، بل كانت ظاهرة غيرت بعمق في الشخصية المصرية، وكان ذلك نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف الفرص داخل مصر، إذ ساهم ذلك في ترسيخ قيم الاستهلاك والمادية، وأضعفت العلاقات الأسرية، وفككت الروابط المجتمعية، كما ساهمت في تغيير تصور الناس عن النجاح.
السيارة الخاصة
ومن مظاهر التغير الذي تحدث عنها جلال أمين، وهي انتشار السيارة الخاصة، ويعلل ذلك بثقافة الاستهلاك ومظاهر الرفاهية التي سادت المجتمع المصري، حيث أصبح امتلاك السيارة طريقًا لإثبات النجاح الاجتماعي، وذلك كان سببا رئيسيًا في ازدحام المرور بالمدن، وأصبح مشهد السيارات المتراصة على جانبي الطريق من أبشع المظاهر التي أصبحت تميز القاهرة.
الانقسام الطبقي
لكن من أكثر مظاهر التغير في المجتمع حدة، الانقسام الطبقي الذي زاد مع التحولات الاقتصادية المتعاقبة، واتسعت الفجوة بين الطبقات، ولم يعد المجتمع قائمًا على درجات اجتماعية مرنة تسمح بالحراك، حيث تلك الظاهرة التي أنتجت لنا فيما بعد ما نسميه الآن مجتمع “إيجيبت”، مجتمع مختلف في نمط العيش والتفكير والثقافة والقيم عن باقي المجتمع المصري.
كان ذلك ما وسعني مناقشته في كتاب ماذا حدث للمصريين للدكتور جلال أمين، حيث التغيرات التي حدثت للمجتمع المصري في النصف الثاني من القرن الماضي، ورغم مرور أكثر من ثمانية وعشرين عامًا على الطبعة الأولى من الكتاب، إلا أن تلك التغيرات ما زالت تسيطر على الوضع حتى الآن.




تحفة يا استاذ هادي